Home » ARTIKEL » (ARABIC) فضلُ طلبِ علم الحديث النبوي

(ARABIC) فضلُ طلبِ علم الحديث النبوي

بقلم: د. سيد عبد الماجد الغَوْري

انَّ الاشتغال بعلم الحديث النبوي دراسةً وتدريساً، تصنيفاً  وتأليفاً، بحثاً وتحقيقاً، مِن أقرب القُرُبات إلى الله عزَّ وجلَّ، وأمثلِ الأعمال لبُلوغ الدَّرجات العليّات، فمَن سَعَى في طلبه، وأكَبَّ على خدمته؛ نالَ الشَّرَفَ العظيم، والجزاءَ الجزيل، وفازَ بسعادةِ الدَّارَيْن؛ لأنه أشرَفُ العلومِ وأعلاها بعد القرآن الكريم؛ لأن رسولنا – عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ –  كَلَّفه اللهُ – سبحانه وتعالى – بشرح وتفسيرِ كتابِه الحكيم، فقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]،   فكان بيانُه – عليه الصَّلاة والسَّلامُ – وحياً من عند الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ –النجم: 4,3

 

 فالحديثُ النبويّ ثاني الأصولِ من أصول الدين، يلي كتابَ الله عزَّ وجلَّ الذي هو أوّلُ الأصولِ، وقد قال تعالى في مُحكَم    تنْزيله العزيز- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ * فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ – النساء:59

ولأجل ذلك عُنيت الأمةُ الإسلامية برواية الحديث النبوي وحفظِه ونشرِه لكونه المصدرَ الثاني للتشريع، ولكونه مِرآةً صادقةً لحياة الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – من ميلاده حتى وفاته، فحفظُ حديثِه – عليه الصَّلاة والسَّلام – مثلُ حفظِ كتابِ الله تعالى، ودينِه، لذلك وَرَدَتْ نصوصٌ نبويةٌ كثيرةٌ في فضلِ مَن يتعلَّم الحديثَ ويعلِّمه، ويَحفَظه ويَذُبُّ عنه، ومنها


1

ما رواه زَيْدُ بن ثابتٍ – رضي الله عنه – عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيْثاً فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَه». (أخرجه الترمذي في السنن، برقم :2656، وهو حديث حسن

فكَفَى راوي الحديثِ فضلاً دخولُه في دعوة الرَّسولِ – صلَّى الله عليه وسلَّم – هذه.

وقال الإمامُ سفيان بن عُيَيْنَة (ت198ﻫ) رحمه الله تعالى: “ليس مِن أهل الحديثِ أحدٌ إلاَّ وفي وجهه نَضْرَةٌ لهذا الحديثِ”. انظر: “شرف أصحاب الحديث” للخطيب البغدادي، ص: 35)

فأهلُ العلم الذين يبلِّغون الناسَ شَرْعَ اللهِ تعالى هم أنضَرُ النَّاسِ وُجوهاً، وأشرَفُهم مقاماً، بدعاء رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – لهم.


2

ومنها ما رواه أُسَامَةُ بن زَيْد رضي الله عنه عن النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: «يَحْمِلُ هذا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُهُ، يَنْفَوْنَ عَنْهُ تَحْرِيْفَ الْغَالِيْنَ، وانْتِحَالَ الْمُبْطِلِيْنَ، وَتَأْوِيْلَ الْجَاهِلِيْنَ».( أخرجه العلائي في “بغية الملتمس” ص34، وهو حديث حسن

وفي هذا الحديثِ تخصيصُ حَمَلَةِ السُّنَّةِ بهذه الْمَنْقَبَة العُليا، وتعظيمٌ لهذه الأُمَّةِ المحمَّدية، وبيانٌ لجلالةقيْرِ المحدِّثين، وعُلُوِّ مرتبتِهم في العالَمَيْن؛ لأنهم يَحْمَون مَشارِعَ الشَّريعةِ، ومُتُوْنَ الرِّواياتِ من تحريف الغالين وتأويلِ الجاهلين، بنقل النُّصوص الْمُحْكَمَة لرَدِّ الْمُتشابهِ إليها.


3

ومنها ما رواه ثَوْبان رضي الله عنه عن النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِيْ ظاهِرِيْنَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ ».( أخرجه مسلم في الصحيح، برقم:1920

وقال العلماءُ: إنَّ المراد ﺑ”الطائفة” في هذا الحديث: أصحاب الحديثِ أنفسهم، كما أكَّد على ذلك الإمامُ أحمد بن حَنْبَل (ت241ﻫ) – رحمه الله تعالى – فقال: “إنْ لَمْ يَكونُوا أصحاب الحديثِ فلا أدري مَنْ هُم!”. (شرف أصحاب الحديث: للخطيب البغدادي، ص27

فلقد صَدَقوا رحمهم الله تعالى، وأيُّ طائفةٍ أحَقُّ بأن يكونوا هم تلك الطائفة الظاهرة المنصورة، مِن الذين حَفِظُوا الدِّيْنَ، ونَقَلُوا الْمِلَّةَ، ونَشَرُوا السُّنَّةَ، وقَمَعُوا البِدْعَةَ؛ وهم أصحابُ حديثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحُرَّاسُه، أَهْدَى النَّاسِ بالسُّنَّةِ، وأَتْبَعُهم للأُسْوَة الحسنة، بَقِيَّةُ الأصحابِ، ومِرْآةُ الرَّسولِ  صلَّى الله عليه وسلَّم!!.(نصائح منهجية لطالب علم السنة النبوية: للشيخ العوني، ص: 19، 20


4

ومنها ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاَةً». (أخرجه الترمذي في السنن، برقم : 484، وهو حديث حسن صحيح)

وذَكَر أهلُ العِلم أنَّ أسعَدَ الناسِ بهذا الحديثِ هم الْمُحدِّثون أنفسُهم؛ لأنهم هم الذين يُكثِرون مِن الصَّلاة على النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أثناء قراءتهم وسماعهم للأحاديث، كما قال الإمامُ ابنُ حِبَّان البُسْتي (ت354ﻫ) – رحمه الله تعالى – بعد إخراجه هذا الحديثَ في صحيحه: “في هذا الخبرِ دليلٌ على أنَّ أولَى النَّاسِ برسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، في القِيامة يكون أصحابُ الحديثِ، إذْ ليس مِن هذه الأُمَّةِ قومٌ أكثَرَ صلاةٍ عليه – صلَّى الله عليه وسلَّم – مِنهم”. (صحيح ابن حبان: (3/192)

وفي ذلك قال الحافظُ أبو نُعَيْم الأصبهانِيّ (ت430ﻫ) رحمه الله تعالى: “هذه مَنْقَبَةٌ شريفةٌ يَخْتَصُّ بها رواةُ الآثارِ ونَقَلَتُها؛ لأنه لا يُعرَف لعِصابةٍ من العُلماء من الصَّلاة على رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أكثر مِمَّا يُعرَف لهذه العِصابة نَسْخاً وذِكْراً”. (شرف أصحاب الحديث: للخطيب البغدادي، ص: 35

فمِمّا وَرَد في تلك الأحاديث النبوية، يَدُلّ دلالةً صريحةً على ما لطالب الحديثِ النبويّ، وللمشتغل به دراسةً وتدريساً، تصنيفاً وتأليفاً، وبحثاً وتحقيقاً، من فضلٍ عظيمٍ، وشرفٍ كبيرٍ، حتى قِيل فيه: إنه مِن أنضرالناسِ وجوهاً، وأشرفِهم مقاماً، وأكثرِهم سعادةً، وما ذلك إلاَّ بسبب طلبه للحديث النبوي واشتغاله به ,لذلك فقد جَعَل الإمامُ أبو زكريا يحيى بن شَرَف النَّوَوِي (ت676ﻫ) – رحمه الله تعالى – علمَ الحديث النبوي من أهمِّ أنواع العلومِ وأنفسِها وأعظمِها طلباً، ومن أجَلِّ الطَّاعات، ومن آكدِ العبادات لله تعالى ,وكذلك جَعَل الإمامُ ابن الأَثِيْر الْجَزَري (ت606ﻫ) – رحمه الله تعالى –  طلبَ هذا العلمِ من فروض الكفايات

وأخبارُ جِدّ الأسلاف في طلب هذا العلمِ، وصَبْرِهم عليه مَضْرَبُ الأمثال، ومُثَارُ الإعجاب، فقد أنفقوا – رحمهم الله تعالى – في حصوله النَّفْسَ والنَّفيس، وسَهِرُوا لأجله اللَّيالي، وجعلوا طلبَه دَيْدَنَهم حتى الموت، كما يتبيَّن لنا ذلك من أقوالهم الآتية

قِيل للإمام عبد الله بن المبارَك (ت181ﻫ): إلى كم تَكتُب الحديثَ؟ قال: “لعلَّ الكلمةَ التي أَنتفِع بها لم أسمعها بَعْدُ”. (شرف أصحاب الحديث: للخطيب البغدادي، ص67

وحين سُئل – رحمه الله تعالى – عن مدى طلبه للحديث فقال: “ما أَرانِي أَدَعُه حتّى أموت”.( تقدمة الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم الرازي، ص: 285

وقِيل للإمام أحمد بن حَنْبَل (ت241ﻫ) رحمه الله تعالى: إلى متى يَكتُب الرجلُ الحديثَ؟ قال :”حتى الموت”.( شرف أصحاب الحديث: للخطيب البغدادي، ص: 68

وهكذا كانت عِنايَتُهم – رحمهم الله تعالى – بالحديث النبوي، وجِدُّهم في طلبه حتى أنهم جعلوه غايةَ حياتِهم، ومطمحَ أنظارِهم، وكان لهم في ذلك هُِيَامٌ وغَرَامٌ لم يُعرَفا عن أُمَّةٍ من الأُمَم في التاريخ

(من كتاب “المنهج المفيد لطلب علم الحديث” لسيد عبد الماجد الغوري، طبعة دار ابن كثير، دمشق، 1438ﻫ/2017م، ص: 17، 21)

Please follow and like us:
0

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *


Visitor counter

Visits since 2014

Your IP: 3.233.226.151

December 2017
M T W T F S S
« Nov   Feb »
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial