Home » ISU SEMASA » 2017 » NOVEMBER » الرحلة في طلب العلم : أهميتها وفوائدها وآدابها

الرحلة في طلب العلم : أهميتها وفوائدها وآدابها

بقلم: د. سيد عبد الماجد الغَوْري

لقد أدلى فضيلة الأستاذ الدكتور جاسر عودة – حفظه الله تعالى ونفع به – برأيه الغريب أثناء محاضرة له عن المقاصد الشرعية في أحد المراكز العلمية بماليزيا: أنه لا داعي الآن للطلاب الماليزيين إلى سفرٍ إلى بلاد الشرق الأوسط لطلب العلم الشرعي؟!.

وهذا رأيٌ غريبٌ غير معهود ومسبوق، ولا ندري ما الذي دفع فضيلتَه إلى الإدلاء به، وإنْ كان تخوُّفه عليهم بأن يتأثَّروا بأيدولوجيات إسلامية أو تيارات عصرية في تلك البلاد، فهي ليست غريبةً على تلك البلاد، فكانت الرحلات العلمية في طلب العلم إلى تلك البلاد على أوجها في القرون السالفة التي ظهرت فيها  أيدولوجيات إسلامية مثل المعتزلة وغيرها، مع ذلك لم يكن لها تأثيرٌ على الوافدين على تلك البلاد، فكانوا يأخذون منها ما صفا، ويدعون منها ما كدر، وما ينطبق على الماضي ينطبق أيضاً على الحاضر

 

على كلّ… فإننا لا نوافق على رأي الدكتور جاسر عودة مع احترام كبير له، في عدم احتياج الطلاب إلى الرحلة في طلب العلم الشرعي إلى بلاد الشرق الأوسط، لِما تتمتَّع تلك البلاد بوجود جامعات إسلامية عريقة، وعلماء متمكِّنين من العلوم الشرعية، ومتضلِّعين في علوم العربية وآدابها، فلا بُدَّ للطلاب من الرحلة إلى تلك البلاد ليُتقنوا تلك العلومَ ويُثافِنوا علماءَها.

وما أحرى للعلماء بأن يُسدوا توجيهاتهم السديدة ونصائحهم القيمة للطلاب في أهمية الرحلة في طلب العلم وفوائدها وآدابها، بدلاً من منعهم المطلَق عن هذا الغرض النبيل والمقصد الشريف.

وقد سبقت لي الكتابةُ في هذا الموضوع في كتابي “إلى طالب العلم”، ومما ذكرت فيه:

 

أهمية الرحلة في طلب العلم:

إنّ الرِّحلة في طلب العلمِ مُهِمّةٌ جليلةٌ، وهي تُعتبَر إحدى أهَمِّ أسباب اكتسابِ العِلم، كما أنها من مزايا أهل العلم في الإسلام من قديم الزَّمان، وأوضَحُ مثالٍ على ذلك رحلةُ سيّدنا موسى – عليه السَّلام – إلى الْخِضَر – عليه السَّلام – ليتعلَّم منه، كما في حديثٍ رواه الصحابيُّ أُبَيُّ بن كَعْبٍ – رضي الله عنه – عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «بَيْنَما مُوْسَى في مَلأٍ مِنْ بَنِي إسْرائِيْلَ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فقَالَ: أتَعْلَمُ أَحَداً أعْلَمُ مِنْكَ؟ قالَ مُوْسَى: لاَ، فَأَوْحَى اللهُ – عزَّ وجلَّ – إلى مُوْسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خِضَرٌ، فسَأَلَ السَّبِيلَ إلَى لُقْيِه:  â هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا..á ». (والحديثُ  أخرجه البخاري في الصحيح، برقم :78).

والمستفادُ من هذا الحديثِ: أنَّ موسى عليه السَّلام – مع عُلُوِّ قَدْرِه في الرّسالة والعِلم – حَرِصَ على الالتقاء بالْخِضَر عليه السَّلام، ورَحَل إليه، وتحمَّل المشاقَّ في رحلته، فلمَّا لَقِيَ الْخِضَرَ؛ سَلَك معه مَسلَكَ المتعلِّمِ مع معلِّمه، وسأله بكلِّ أدبٍ وتَواضُعٍ: â هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا..á [الكهف: 66]، مع أنَّ موسى أفضَلُ من الْخِضَر وأرفَعُ منه رتبةً، وأعلى منه رسالةً ولا شكَّ، ورغم ذلك لم يَمنَعه فضلُه، وارتفاعُ رتبتِه على الْخِضَر أن يَرحَل إليه لطلب العلم، ويَتحمَّل المشاقَّ في ذلك عنده، وكلُّ ذلك حرصاً منه على لقاء هذا العالِم، وعلى التعلُّم منه ما جَهِلَه. والقِصّةُ مشهورةٌ كما وردت في مستهلِّ سورة الكهف.

وخيرُ مَن ضَرَب المثلَ الأعلى في طلب العلم في الأمة المحمدية هم الصحابةُ رضي الله عنهم، فكان أحدُهم يَرحَلُ من المدينة إلى الشَّام أو إلى مِصْرَ؛ ليَأخُذَ الحديثَ عمَّن تفرَّد بروايته عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أو ليتوثَّق من رواية حديثٍ سَمِعَه.

كما ضَرَب في ذلك أمثلةً رائعةً مَن بعدهم مِن التابعين والأئمة أيضاً، وأعطوا لذلك غايةَ اهتمامِهم، وبَذلُوا مِن أجل ذلك كُلَّ ما في وُسْعِهم، حتى رَحَلُوا المسافاتِ البعيدة، على بُعْد الشُّقَّة وعِظَمِ الْمَشَقَّة وغَوْلِ الطَّريق، طلباً للحديث، وبحثاً عن أسانيد الأحاديث، بل عن إسناد الحديث الواحد، امتثالاً لأمر الله تعالى: ) فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ( [التوبة: 122]، وتحقيقاً لِمَا حَثَّ عليه الرسولُ المعلِّمُ – عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ – بقوله: «مَنْ سَلَكَ طَرِيْقاً يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً؛ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقاً إلَى الْجَنَّةِ»”( أخرجه الترمذي في الجامع، برقم: 2646)، وقولِه عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ الْعلِْمِ؛ فَهُوَ في سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ» (أخرجه الترمذي في جامعه، برقم: 2648)، وقولِه عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِه ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ؛ وَضَعَتْ الْمَلاَئِكَةُ أَجْنِحَتَهَا له رِضاً بِمَا يَصْنَعُ» ( أخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن، برقم: 266).

فأصبحت الرحلةُ في طلب العلم، مقصداً أساسياً في نفوس العلماء السابقين، للازدياد من العلم وتنقيحِه وتنويعِه وتعميقِه، فما كان يَتخلَّف عنها إلاَّ مَن أَقعَده ضَعْفُ الجسم، أو كثرةُ العِيال، أو فقدُ الدُّرَيْهِمات، أو رعايةُ حقِّ الوالدة أو الوالد. (صفحات من صبر العلماء: للشيخ عبد الفتاح أبي غدة، ص107).

ذلك لأنهم جعلوا “الرحلة” مَناطَ الثِّقَةِ بالعالِم، فقالوا كلمتَهم المشهورة: “مَن لم يَرحَل فلا ثِقَةَ بعلمه”، وكانوا يَعتبِرون الرحلةَ علامةً على علم الرَّجُل؛ وذلك لِما لَمَسُوه من فوائد الرِّحلة وآثارِها النافعة، وتكوين المواهب الشخصية، وتنميةِ الْمَدارِك العلمية، وتَوْسِعةِ الآفاق الفكرية، والتَّطاعُم من العقول والمعارف وأهلِها، فلذلك أقاموها مُقامَ الحاجةِ الضروريةِ لِمَن سَلَك طريقَ العلمِ والتحصيل، واعتبروها شرطاً لتوثيق العالِم والثِّقَةِ بعلمه. (صفحات من صبر العلماء: للشيخ أبي غدة، ص107).

وأخبارُهم في ذلك كثيرةٌ، فقد ذَكَر بعضاً منها الحافظُ الخطيب البغدادي (ت463ﻫ) في كتابه القيِّم “الرِّحلة في طلب الحديث”، والشيخُ عبد الفتَّاح أبو غُدَّة (ت1417ﻫ) في كتابه النفيس الماتع المفيد “صفحات من صبر العلماء…”. فليَرجِع الطالبُ إليهما للاستزادة في معرفة تلك الأخبار ليَقتفِي آثارَ أصحابِها في طلب العلم

 

فوائد الرِّحلة في طلب العلم:

قد يتساءل الطالبُ نفسَه: أنَّ أهمَّ سببٍ من أسباب الرِّحلة عند القدماء هو جمعُ الحديثِ، فهو قد انتهى، فما فائدةُ الرِّحلة في طلب الحديث في عصرنا وكتبُ الحديثِ والسُّنَّةِ مُتَوَفِّرةٌ بكلّ سهولةٍ، والوسائلُ المرئية والسَّماعية موجودةٌ للاستفادة من دروس ومحاضرات العلماء المختصِّصين في الحديث في أي بلدٍ ناءٍ كانوا من بلده؟.

ولكن مع ذلك فإنّ هناك لا تزال للرِّحلة في طلب العلم فوائد جَمَّة، ومن أهمِّها

  • الغُربة:

والتي يُعِين الطالِبَ في التفرُّغ لطلب العلم، فالإنسانُ ما دامَ في بيته وبيئته وبين أهله لا يجد وقتاً وفراغاً للطلب، ومِن أدِلَّتها: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لَم يُنْزِل اللهُ عليه الوَحْيَ حتى حُبِّبَ إليه الْخَلاَءُ، فكان يَخْلُو في غار حِراء فيتحنَّث فيه اللَّيالِيَ ذوات العدد، كما في حديث أمّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، والذي أخرجه البخاري في الصحيح في أول كتاب بدء الوحي.

وهذا التحبيبُ الذي حُبِّبَ إليه الأنبياء فهو أسوةٌ وقدوةٌ ليُحَبَّبَ إلى طالبِ العلم الخلاءُ كذلك.

  • ملاقاة العلماء والمشايخ والاستفادة منهم:

والذي يَرحَل لطلب العلم يستطيع أن يُكثِر من ملاقات أهل العِلم الذين عُرفوا بغزارة العلم وتنوُّع المعارف، ويأخذ عنهم مِن علمهم ومعارفهم، ويتحلَّى بفضائلهم وأخلاقهم. فإنه إذا لَقِيَ أمثالَهم، وجَلَس إليهم واحْتَكَّ بهم؛ فيَصِل إليه مِن خيرهم، ويَرسُخ في نفسه مما ينطبع فيها من أخلاقهم وشمائلهم؛ فيكون هذا الرسوخُ قوياً.

وكذلك فإنَّ العلماء قد رَحَلُوا وقرؤوا واستفادوا، فالطالِبُ إذا لَقِيَهم، وجلس إليهم؛ يأخذ عنهم فوائدَ ربما لا يَحصُلها في الكُتُبِ سِنينَ طويلةً.

 

آداب الرِّحلة في طلب العلم:

وهي آدابٌ ينبغي مراعاتها لمن يريد الرحلةَ في طلب العلم؛ حتى تُؤتِي الرحلةُ ثمارَها، وتتحقَّق أهدافُها أيّاً كان العِلمُ يَرحَل فيه الطالِبُ، وها هو مُجمَلٌ من تلك الآداب:

  • الإخلاص لله تعالى:

إنَّ الإخلاص لله – سبحانه وتعالى – رأسُ الأمرِ في طلب العلم؛ كما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيْقاً يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً؛ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقاً إلَى الْجَنَّةِ» (أخرجه الترمذي في الجامع، برقم: 2646)، فالذي يَخرُج ابتغاءَ مرضاةِ الله؛ فاللهُ – عزَّ وجلَّ – يُعطِيه من الأجر العظيم، وتكون رحلتُه هذه سبباً لدخوله الْجَنَّةَ.

  • الاستخارة من الله تعالى:

وهي من الأمور المندوبة شرعاً في قضاء الحوائج، وفي الحديث: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللهَ عزَّ وجلَّ، وَمِنْ شَِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ الله عزَّ وجلَّ». (أخرجه أحمد في المسند  برقم: 1444 ، والترمذي في الجامع، برقم: 2151).

  • الاستشارة:

على الطالب قبل أن يَرحَل في طلب العلم، أن يَستشِير أهلَ الفضلِ والعلم والخبرة، ليَعرِف ما يبدأ به من البُلدان والْمَشايِخ، وما يَحرِص على تحصيله من علمٍ وفوائد، وما يُعِينه على تحقيق بُغْيَتِه، وقيل: “ما خابَ مَن استخارَ، ولا نَدَم مَن استشارَ”. ( من أدب المحدثين في التربية والتعليم: للدكتور أحمد محمد نور سيف، ص: 124).

  • استئذان الوالِدَين:

كذلك مَن يُريد الرِّحلةَ في طلب العِلم فعليه أن يستأذن والِدَيْه أوّلاً، ولا تَجُوْزُ له الرحلةُ إلا باستئذانهما، أمّا إذا منعاه عنها وهو يرى أنَّ حصوله العِلمَ الذي يريد أن يَرحَل لأجله فرضٌ عليه فيجب عليه مُداراتُهما، والرِّفْقُ بهما حتى تَطِيْبَ له أَنْفُسُهما، ويَسْهَل مِن أمره ما يَشُقُّ عليهما. (انظر: “الجامع لأخلاق الراوي” للخطيب البغدادي: 2/228، برقم: 1693).

  • اختيارُ حُسْنِ المكان:

كذلك من أهمِّ شروط الرِّحلة في طلب العلم: أن يَختار الطالبُ لأجلها بلداً مسلماً معروفاً بالعِلم والفضل، حافِلاً بالعلماء والفضلاء، وعامِراً بالمدارس الدينية والجامعات الإسلامية، ليستفيد مع طلب العلم مما حوله من البيئة الدينية، والعادات المحمودة، والتقاليد الحسنة، والأعراف الجميلة إنْ لم تَكُن مُخالِفةً للعقيدة والشريعة.

     وأمَّا إذا قَصَد الطالِبُ إلى بلاد الكُفَّار باسم الرحلة في طلب العلم الشرعي – كما يفعل كثيرٌ من الطلاب في عصرنا – فما هو – في الحقيقة – إلاَّ انحلالُ الدِّين، وإفسادُ الأخلاق، والسُّقوطُ في براثن أهل الكُفْر، ثم العودةُ بعقولٍ ممسوخةٍ، وأذهانٍ مشوّشةٍ، وقلوبٍ خاويةٍ…

  • التماس الرفيق قبل الطريق:

يَحسُنُ للطالب أن يتخيَّر لمرافقته مَن يُعينه على عبادة الله وطاعته، ويشجِّعه على مُواصَلة مسيرتِه العلمية، ومَن يُشاكِله ويُوافِقه على غرضه ومطلبه.

  • الإكثار من الاستفادة من العلماء والْمُذاكَرة معهم:

ينبغي للطالب أن يَستغِلَّ الغُرْبَةَ في البلد الذي يَرحَل إليه؛ لأنَّ مُدَّة الغربةِ أو الإقامةِ فيه محدودةٌ، والعِلْمُ كالبحر، فعليه أن يَستغِلَّ الفرصةَ، ويَحرِصَ على مُلازَمة علمائِها، والإكثارِ من الاستفادة منهم، ويَعتني بالمذاكرة معهم في المسائل العلمية. فبذلك إنه سيَكسِب آراءاً جديدةً تَزِيده تَمَكُّناً من العلم وتَعَمُّقاً فيه، أو تُزِيْحُ ما وَقَع له من إشكالٍ فيه، وهي فائدةٌ هامّةٌ يَكمُل بها العالِمُ ويَسْمُوْ.

هذه بعضُ أهَمِّ الفوائد والآداب في الرِّحلة في طلب العلم، وينبغي مراعتها لِمَن يرغب في ذلك.

(من كتاب “إلى طالب العلم” لسيد عبد الماجد الغوري، ص: 107، 114، من منشورات “معهد دراسات الحديث الشريف” بسلانجور في ماليزيا، ط1، 1434ﻫ/2013م).

Please follow and like us:
0

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *


Visitor counter

Visits since 2014

Your IP: 3.233.226.151

November 2017
M T W T F S S
    Dec »
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930  

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial